ابن عجيبة

490

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ، أي أربابهن ، حتى يعقدوا لكم نكاحهن ، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ : أي : مهورهن ، وهن أحق به دون ساداتهن ، على مذهب مالك ، بِالْمَعْرُوفِ من غير مطل ، ولا نقص ، على ما تقتضيه السنة . حال كونهن مُحْصَناتٍ أي : عفيفات غَيْرَ مُسافِحاتٍ أي : غير زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ . أي : أصحاب يزنون بهن . وكان في الجاهلية من النساء من تتخذ صاحبا واحدا تزني معه خاصة ، ومنها من لا ترد يد لامس . قال ابن جزى : مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين : أحدهما : عدم الطول ؛ وهو ألّا يجد ما يتزوج به حرة ، والآخر : خوف العنت ؛ وهو الزنا . لقوله بعد هذا : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين ، على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر ، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة ، لقوله : مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ إلا أهل العراق فلم يشترطوه . ه . الإشارة : فمن لم يستطع أن ينكح أبكار الحقائق ، لكونه لم يقدر أن يدفع عن قلبه الشواغل والعلائق ، فليتنزل لنكاح العلوم الرسمية والأعمال الحسية ، بأخذها من أربابها ، ويحصنها بالإخلاص في أخذها ، ويقوم بحقها بقدر الإمكان ، وهو بذلها لأهلها ، والصبر على نشرها ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، فإن صح قصده ، وخلص عمله ، قيض الله له وليا من أوليائه يغنيه بالله ، حتى يصير من الأغنياء به ، فيتأهل لنكاح الحرائر ، ويلتحق بأولياء الله الأكابر ، ( وما ذلك على الله بعزيز ) . قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه لما تكلم على ثمرات المحبة - قال : فترى النفس مائلة لطاعته ، والعقل متحصنا بمعرفته « 1 » ، والروح مأخوذة في حضرته ، والسر مغمورا في مشاهدته ، والعبد يستزيد [ من حبه « 2 » ] فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته ، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة ، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم . ه . فعلم الحقائق أبكار ، وما يوصل إليه من علوم الطريقة ثيبات حرائر ، وما سواها من علوم الرسوم إماء بالنسبة إلى غيرها ، والله تعالى أعلم . ثم ذكر حدّ الأمة إذا زنت ، فقال : قلت : أحصن الرجل - بفتح الهمزة وضمها - : صار محصنا بالفتح والكسر ، وهذا مما اتحد فيه البناء للفاعل والمفعول . وقيل بالفتح ، معناه : أسلم ، وبالضم : تزوج .

--> ( 1 ) في الأصول : بمعروفه ، والمثبت هو ما في لطائف المنن للسكندرى . ( 2 ) ما بين المعكوفتين من تدخل الشيخ المفسر في النقل .